لن أروي التفاصيل، لأنني نفسي لم أروِها لأحد بالكامل، حتى الآن. سأقول فقط إن الأمر حدث في بيت أعرفه جيدًا، على يد شخص كنتُ أثق فيه لدرجة أنني لم أشكّ لحظة واحدة، وإن الجزء الأصعب لم يكن ما حدث في تلك الليلة، بل ما حدث في داخلي بعدها بأيام، حين قررتُ، بوعي كامل، ألا أخبر أحدًا.
لم يكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كان غريزة بقاء. رأيتُ نفسي في المرآة في صباح اليوم التالي، ولم أتعرّف على من أمامي، لكنني ذهبتُ إلى عملي، وابتسمتُ في اجتماع، ورددتُ على رسائل صديقاتي بإيموجي ضاحك، وكأن جزءًا مني قرر أن يمثّل دور الفتاة التي كانت موجودة قبل تلك الليلة، بينما جزء آخر مني بقي هناك، في تلك الغرفة، عالقًا.
الأشهر التي تلتها لم تكن قصة انهيار واضح المعالم يمكن رسمه بخط بياني منحدر. كانت أعقد من ذلك بكثير. كنتُ أعمل بكفاءة عالية في وظيفتي، بل حصلتُ على ترقية في تلك الفترة تحديدًا، وفي الوقت نفسه، كنتُ أستحم لمدة ساعة كاملة كل ليلة دون أن أشعر أنني نظيفة بما يكفي أبدًا. كنتُ أواعد أحيانًا، ثم أختفي فجأة دون تفسير في اللحظة التي يقترب فيها أحدهم مني عاطفيًا. لم أكن أفهم لماذا، كنتُ فقط أشعر بحاجة ملحّة للهروب، دون أن أربط الأمر بما حدث.
الأصعب كان الجزء الذي لا يتحدث عنه أحد بصراحة: جزء مني كان يلوم نفسي. لماذا بقيتُ في تلك الغرفة دقيقتين إضافيتين قبل أن أدرك ما يحدث؟ لماذا لم أصرخ بصوت أعلى؟ لماذا واصلتُ التحدث معه بعدها بأسابيع وكأن شيئًا لم يحدث؟ هذه الأسئلة كانت تدور في رأسي كل ليلة، وكانت تصل دائمًا لنفس النتيجة القاسية: ربما كان الخطأ خطئي جزئيًا.
بعد سنة تقريبًا، بدأت تظهر أعراض جسدية غريبة، صداع مزمن لا يستجيب لأي مسكن، توتر دائم في كتفيّ، وحالات تجمّد غريبة أحيانًا، أقف فيها في منتصف المطبخ لدقائق لا أعرف كيف أتحرك خلالها. اعتقدتُ أنني أفقد عقلي حرفيًا، ولم أخبر طبيبي بالسبب الحقيقي وراء هذه الأعراض، فقط وصفتها كـ'إجهاد من العمل'.
نقطة التحول لم تكن مشهدًا دراميًا، بل كانت شيئًا صغيرًا وغبيًا في ظاهره: شاهدتُ إعلانًا تجاريًا عابرًا على التلفاز، فيه ممثل يشبه في هيئته الشخص الذي أعرفه، فانهرتُ فجأة في وسط صالتي، أبكي بصوت لم أعرفه من نفسي، لمدة عشرين دقيقة متواصلة، حتى لم أعد قادرة على التنفس بشكل طبيعي. جلستُ بعدها على الأرض، منهكة، وقلتُ لنفسي بصوت مسموع، للمرة الأولى: 'هذا ليس إجهاد عمل. أنتِ لستِ بخير منذ سنة كاملة.'
حجزتُ أول جلسة علاج نفسي بعدها بثلاثة أيام. ألغيتها مرتين قبل أن أبدأ فعلاً. وحين تحدثت مع المعالجة أخيرًا، لم أستطع أن أقول أكثر من: 'لا أعرف من أين أبدأ، ولا أعرف حتى إن كنتُ مستعدة لهذا.